أسامة داود يكتب عن المفارقة العجيبة: المخازن تمتلىء بالسكر المصري .. والواردات مستمرة ؟! ( 5 )
أكثر من مليون طن سكر متراكم كمخزون راكد بالشركات العامة المصرية
شحنة سكر خام تزن 55.5 ألف طن إلى أحد الموانئ المصرية لصالح إحدى الشركات
هناك لحظات لا تكون فيها الأخبار مجرد أرقام، وإنما تتحول إلى مفاتيح تفتح أبوابًا ظلت مغلقة طويلًا.. ووصول شحنة سكر خام تزن 55.5 ألف طن إلى أحد الموانئ المصرية لصالح إحدى شركات صناعة السكر، لم يكن بالنسبة لي مجرد خبر اقتصادي عابر، بل كان جرس إنذار أعاد إلى الواجهة كل الأسئلة التي طرحتها في الحلقات الأربع السابقة من هذه الحملة.
فمنذ أسابيع، لم يكن السؤال الذي أبحث له عن إجابة هو: هل تنتج مصر السكر؟.. الإجابة معروفة وإنما كان السؤال: هل استثمرت الدولة مليارات الجنيهات في التوسع بزراعة البنجر وتطوير المصانع؟
هذه أيضًا حقيقة لا ينكرها أحد.. لكن السؤال الحقيقي ظل يلاحقني مع كل وثيقة، وكل رقم، وكل زيارة لمصنع من مصانع السكر المصرية
كيف تتحول قصة نجاح إنتاجية إلى أزمة تسويق؟.. وكيف تمتلئ المخازن بالسكر المصري، بينما تستمر الواردات في الوصول؟
وهل المشكلة في نقص الإنتاج؟.. أم في إدارة السوق؟.. أم في شيء آخر يحتاج إلى تفسير؟
كنت أكدت في الحلقات السابقة أن صناعة السكر ليست مجرد صناعة غذائية، وإنما صناعة ترتبط بالأمن القومى وواحدة من الصناعات التي ارتبطت بتاريخ الاقتصاد المصري منذ أكثر من مائتي عام.
حول مصانع السكر نشأت مدن كاملة.. وتكوَّنت مجتمعات.. وتعلمت أجيال أسرار هذه المهنة.. ولم يكن السكر مجرد سلعة، بل كان مشروعًا اقتصاديًا واجتماعيًا، يربط بين الفلاح، والعامل، والمهندس، والمصنع، وشبكات النقل، والأسواق.
ولهذا فإن أي قرار يؤثر في هذه المنظومة لا يجوز النظر إليه باعتباره قرارًا تجاريًا فقط، بل باعتباره قرارًا يمس الأمن الغذائي والأمن الاقتصادي معًا.
المشهد الذي لا يراه أحد
في الوقت الذي كان فيه الرأي العام يتابع أخبار استقرار أسعار السكر، كانت هناك صورة أخرى داخل بعض المصانع، مخازن ممتلئة، وساحات تخزين استُخدمت لاستيعاب إنتاج لم يجد طريقه إلى السوق بالسرعة المأمولة، وشركات تتحمل تكاليف تخزين وتمويل وفوائد ، وفلاحون ينتظرون موسمًا جديدًا، بعد أن استجابوا لسياسات الدولة وتوسعوا في زراعة البنجر.. كل ذلك بينما كانت الدولة تعلن نجاحها في زيادة الإنتاج المحلي، وهو نجاح ينبغي الحفاظ عليه وتعظيم الاستفادة منه.
وهنا يبرز السؤال الأول: إذا كانت الطاقة الإنتاجية للمصانع قد ارتفعت، وإذا كانت الدولة شجعت التوسع الزراعي، فهل تطورت في الوقت نفسه آليات إدارة السوق والتسويق والتصدير بالوتيرة نفسها؟
وسط هذا المشهد، أعلنت معلومات متداولة وصول شحنة سكر خام تزن 55.5 ألف طن لصالح شركة الشرقية لصناعة السكر.
وهنا يجب أن يكون واضحًا أن استيراد السكر الخام ليس في حد ذاته مخالفة أو دليلًا على وجود خلل؛ فقد تلجأ بعض المصانع إلى استيراده ضمن نموذجها الصناعي أو وفق احتياجات تشغيلية أو تعاقدات تجارية.
لكن توقيت الشحنة، بالتزامن مع الحديث عن وفرة الإنتاج المحلي، يفرض مجموعة من الأسئلة المشروعة التي لا يمكن تجاهلها.
أولها.. هل كانت السوق المصرية في حاجة فعلية إلى هذه الكميات وقت التعاقد عليها؟
وثانيها.. هل جرى تقييم أثر هذه الواردات على حركة تسويق السكر المنتج محليًا؟.. وثالثها.. هل خُصصت هذه الكميات بالكامل للتكرير وإعادة التصدير، أم أن جزءًا منها أوكلها سيتجه إلى السوق المحلية؟
هذه الأسئلة لا تحمل اتهامًا، وإنما تعكس حق الرأي العام في فهم كيفية إدارة سلعة استراتيجية ترتبط بالغذاء وباستثمارات ضخمة وبآلاف الأسر المصرية.
قرار يستحق التوضيح
سبق أن أعلنت الحكومة تنظيم استيراد السكر من خلال اشتراط موافقات محددة على الاستيراد.. وهنا يصبح من حق الرأي العام أن يعرف:
هل صدرت الموافقات اللازمة لهذه الشحنة..وما المبررات الاقتصادية التي استندت إليها؟
وهل أُخذ في الاعتبار حجم المخزون المحلي وقت إصدارها؟
وهل توجد آلية دورية توازن بين احتياجات الصناعة وحماية المنتج الوطني؟.
الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورة حتمية للدفاع عن قرار الحكومة الذى يشترط موافقات مسبقة لإستيراد السكر من الخارج والمرتبط استيراده بإحتياجات السوق.. وهو الشرط غير المتوافر خاصة وأن هناك أكثر من مليون طن سكر متراكم كمخزون راكد بالشركات المصرية لم يتم سحبه من جانب الحكومة فكيف يتم السماح بإستيراد في ظل هذا الفائض من السكر؟
ويأتي التناقض الذي يحتاج إلى تفسير.. الحكومة شجعت التوسع في زراعة البنجر.. المزارعون استجابوا.. المصانع رفعت كفاءتها.. الإنتاج ازداد.. وهذه كلها حلقات في سلسلة واحدة.
لكن إذا واجه المنتج المحلي صعوبة في التسويق، في الوقت الذي تدخل فيه كميات جديدة من السكر الخام إلى منظومة الإنتاج، فإن السؤال الاقتصادي يصبح مشروعًا: كيف يمكن تحقيق التوازن بين استمرار الصناعة، وحماية المزارع، وضمان حرية النشاط الاقتصادي، وتوفير احتياجات السوق في الوقت نفسه؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه أصحاب القرار بالأرقام، لا بالشعارات.. لأن قوة السياسات العامة لا تقاس بعدد القرارات التي تصدر، وإنما بقدرتها على تحقيق الاتساق بين أهدافها ونتائجها على الأرض.
القضية أكبر من شحنة.. قد تنتهي.. وقد تصل شحنات أخرى.. لكن القضية الحقيقية ليست في سفينة رست على رصيف ميناء.. القضية في الكيفية التي تُدار بها سوق السكر في مرحلة تؤكد الحكومة على وجود فائض كبير يتم تخزينة بساحات وممرات الشركات بعدما امتلأت المخازن، ليظل المنتج المحلي يواجه تحديات في التسويق.
وهنا يصبح السؤال الذي سأواصل البحث عن إجابته في الحلقات القادمة:
هل تحتاج مصر إلى مراجعة سياسات إدارة سوق السكر بما يحقق التوازن بين تشجيع الاستثمار، وحماية الصناعة الوطنية، والحفاظ على مصالح المزارعين والمستهلكين معًا؟
لن أجيب عن هذا السؤال برأي، ولن أطلق أحكامًا مسبقة، لكنني سأواصل جمع الوثائق، وتحليل الأرقام، ومقارنة السياسات، حتى تكتمل الصورة.
ففي القضايا التي تمس الأمن الغذائي والاقتصادي، لا تكفي الانطباعات، ولا تصلح المواقف المسبقة.
وحدها الحقائق هي التي تستحق أن تُكتب.. وأن تُنشر.. وأن يطلع عليها المواطن كاملة.
وللحديث بقية
